الشيخ محمد رشيد رضا
79
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ، وليس هذا مورد النزاع وانما النزاع في أمر آخر وهو أنه هل النار أبدية أو مما كتب عليه الفناء ؟ وأما كون الكفار لا يخرجون منها ولا يفتر عنهم من عذابها ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة . وانما خالف في ذلك من قد حكينا أقوالهم من اليهود والاتحادية « 1 » وبعض أهل البدع وهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها البتة كما يخرج أهل التوحيد منها مع بقائها فالفرق كالفرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه ( قالوا وأما الطريق الثالث ) وهو مجيء السنة المستفيضة بخروج أهل الكبائر من النار دون أهل الشرك فهي حق لا شك فيه وهي انما تدل على ما قلناه من خروج الموحدين منها وهي دار عذاب لم تفن ويبقى المشركون فيها ما دامت باقية والنصوص دلت على هذا وعلى هذا ( قالوا وأما الطريق الرابع ) وهو أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقفنا على ذلك ضرورة فلا ريب انه من المعلوم من دينه بالضرورة ان الكفار باقون فيها ما دامت باقية ، هذا معلوم من دينه بالضرورة ، وأما كونها أبدية لا انتهاء لها ولا تفنى كالجنة فأين في الآن والسنة دليل واحد يدل على ذلك ( قالوا وأما الطريق الخامس ) وهو أن في عقائد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ابدا فلا ريب ان القول بفنائهما قول أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ، وهذا القول لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة
--> ( 1 ) يعني بالاتحادية من يقولون بوحدة الوجود كالشيخ محيي الدين بن العربي وقد فاتني أن أذكر عند حكاية قوله أولا أنني رأيت رجلا من كبار رجال العسكرية من الصوفية الذين على طريقته الذين يعتمدون على الكشف ومناجاة أرواح الأنبياء والأولياء يدعي أن كلا من الجنة والنار له أجل يعد بألوف الألوف من السنين كعمر هذا النظام الشمسي الذي ينتهي بيوم القيامة وأنهما يزولان بانتهائه كما يزول هذا النظام ثم يتكون نظام آخر من كواكب أخرى مثل هذه الكواكب يكون للبشر فيه حياة أخرى طويلة على نحو ما سبق في حياة كواكب هذا النظام الشمسي الذي يسكن البشر فيه هذه الأرض وما بعده من النظام الذي سيكونون فيه في الجنة والنار ولذلك النظام أيضا أجل وهكذا يستمر الامر دواليك دواليك إلى غير نهاية . وأطوار البشر تختلف في كل نظام نظام بحسب ما يتجدد لهم من العلوم والصفات فيما قبله وهو خيال غريب كان يطبقه على قواعد علم الهيئة والحساب الرياضي